داحمدكلحى :عيد تحرير طابا رمز للصمود واستعادة للكرامة

داحمدكلحى :عيد تحرير طابا رمز للصمود واستعادة للكرامة

 

بقلم د/ أحمد كلحي

يُمثل استرداد طابا في 19 مارس 1989 درسًا تاريخيًا في كيفية استخدام القانون الدولي والآليات السلمية القانونية لاستعادة الحقوق الوطنية، ولقد أثبتت مصر ـ بجدارة ـ أن النزاعات الحدودية يُمكن حلها بالعقل والمنطق وليس بالقوة، وأن التمسك بالحقوق الوطنية مع العمل القانوني والدبلوماسي يؤدي إلى نتائج إيجابية، وهو ما يعكس نضجًا سياسيًا واستراتيجيًا بالغ الأهمية.

وقبل أن نخوض في غمار وتفاصيل الملحمة القانونية الرائعة التي خاضتها الدبلوماسية المصرية بجدارة في قضية طابا، من الضروري أن نقدم أولًا لمحة موجزة عن طابا من الناحيتين الجغرافية والتاريخية:

أولًاــ طابا من الناحية الجغرافية:

تقع طابا في أقصى الشرق من شبة جزيرة سيناء، وعلى الركن الشمالي الغربي لخليج العقبة ضمن محافظة جنوب سيناء، وهي تحتل موقعًا جغرافيًا واستراتيجيًا فريدًا، حيث تًعد مفترق طرق غاية في الخطورة والأهمية حيث تتحكم في الممرات التي تربط شبة جزيرة سيناء بخليج العقبة، إلى جانب تحكمها في الطريق المتجة شمالًا إلى غزة، كما أنها تعد مدخلًا للطريق المتجة إلى بقية الساحل الغربي لخليج العقبة والمؤدي إلى مدينة شرم الشيخ ومضايق تيران، وهي بذلك تقع في مواجهة قاعدة تبوك العسكرية السعودية، ومقابة لميناء العقبة الأردني، وتبعد حوالي 7 أميال من مدينة إيلات الإسرائيلية، وعلى الرغم من مساحتها الصغيرة التي تبلغ نحو كيلو متر مربع واحد إلا أنها كانت تعد بالنسبة للإسرائليين مسألة حياة أو موت نظرًا لأهميتها الاستراتيجية لمدينة إيلات المجاورة، ولكن مصر أبت أن يغتصب شبر واحد من أراضيها.

ثانيًا ــ طابا من الناحية التاريخية:

لم يكن النزاع حول منطقة طابا مع إسرائيل هو الأول من نوعه بالنسبة لمصر، ففي مطلع عام 1892 توفى الخديوي توفيق، وكان مطلوبًا لأعتلاء أبنه عباس الثاني عرش مصر، أن يصدر الباب العالي فرمانًا بهذا، بيد أنه على ضوء سياسات السلطان عبدالحميد الثاني الرامية إلى تضييق الخناق على الوجود البريطاني في مصر والساعية إلى إجلاء المحتلين الأوروبيين عن ولاية مصر، أصدر الباب العالي فرمانًا يحرم مصر بمقتضاه من أي وجود على خليج العقبة، مما أثار قضية مشهورة في التاريخ المصري الحديث تُعرف بأسم “قضية الفرمان” والتي انتهت في نهاية المطاف بتراجع الباب العالي والاتفاق على تعيين حدود مصر الشرقية من نقطة شرق العريش (رفح) إلى نقطة تقع رأس خليج العقبة، ولأول مرة تحصل مصر على اعتراف من الباب العالي بتحديد الخط الفاصل بين مصر وبقية الأملاك العثمانية.

وفي مطلع أوائل القرن العشرين تحديدًا في يناير 1906 شهدت طابا نزاعًا جديدًا بين مصر وسلطة الأحتلال البريطاني من ناحية، والدولة العثمانية من ناحية أخرى، حين أرسلت الأخيرة قوة عسكرية لأحتلال طابا، مخالفةً بذلك ما جاء بفرمان 1892 الذي يحدد ولاية مصر والحدود الشرقية لها، والممتدة من رفح شمالًا على ساحل البحر الأبيض المتوسط إلى رأس خليج العقبة جنوبًا شاملة قلاع العقبة والمويلح وطابا.

إزاء فشل الجهود الدبلومسية في تسوية هذه الأزمة، أرسلت بريطانيا إنذارًا نهائيًا للسلطان العثماني في 3 مايو 1906 أوضحت فيه أنها ستضطر للجوء إلى التدخل عسكريًا ما لم يتم إجلاء القوات التركية عن طابا ورفح في غضون عشرة أيام، الأمر الذي حدا بالسلطان العثماني إلى الرضوخ لهذه المطالب وسحب قواته نهائيًا في 13 مايو 1906.

وفي أعقاب إنسحاب القوات العثمانية تم تعيين لجنة مشتركة من الجانبين المصري والبريطاني لإعادة ترسيم الحدود إلى ما كانت عليه، مع تدقيقها طبقًا لمقتضى القواعد الطبوغرافية لتحديد نقاط الحدود الطبيعية، حيث بلغت عدد العلامات 91 علامة كانت آخرها على رأس منطقة طابا.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن كيف بدأ النزاع المصري الإسرائيلي حول طابا؟

يمكن القول أن النزاع بدأ عقب توقيع معاهدة السلام في 26 مارس 1979، والتي نصت على “انسحاب إسرائيل من شبة جزيرة سيناء إلى ما وراء الحدود الدولية بين مصر وفلسطين تحت الانتداب البريطاني”، إلا أن إسرائيل قد سعت إلى توسيع وضم المنطقة المحيطة بميناء إيلات على خليج العقبة، وبدأت في المراوغة في تسليم آخر علامة مناطق سيناء إلى مصر، وهنا بدأ خلاف حول الحدود، خاصة عند علامة الحدود 91 بمنطقة طابا.

وفي أكتوبر 1981 اكتشفت اللجنة المصرية وجود مخالفات إسرائيلية تتمثل في طمس وإخفاء وتغيير مواضع 14 علامة حدودية أخرى، أرادت اسرائيل أن تُضمها إلى أراضيها، ولكن مصر أبت أن يغتصب ولو حبة رمل واحدة من أراضيها، وفي مارس 1982 وقبل شهر واحد من إتمام الانسحاب الاسرائيلي من سيناء، أعلن رئيس الوفد المصري في اللجنة الإسرائيلية آنذاك، عن وجود خلافًا جذريًا بين الجانبين حول بعض النقاط الحدودية خاصة العلامة 91 الموجود في طابا.

 حينها أدركت مصر حيل إسرائيل الماكره باختلاقها وإصطناعها الازمات الحدودية المفتعلة حتى تعيق الانسحاب، وحرصًا من الجانب المصري الدؤوب على إتمام الانسحاب الاسرائيلي، وحتى لا تضع فرصة لاسرائيل في الانصياع وراء المبررات المصطنعة التي تختلقها، اتفق الجانبان على أن يتم الانسحاب من سيناء في موعده القانوني في 25 أبريل 1982على أن يؤجل الانسحاب من طابا، ويتم حل النزاع : 

 طبقًا لقواعد القانون الدولي، وفقًا لنص الفقرة الثالثة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التى جرى نصها على أن ” يفض جميع أعضاء الهيئة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية على وجه لا يجعل السلم والأمن الدولي عرضة للخطر”

حيث أفرد ميثاق الأمم المتحدة الفصل السادس بأكمله لحل المنازعات الدولية بالوسائل والأساليب السلمية، واستهل هذا الفصل بالمادة الثالثة والثلاثين التي أوردت التزامًا على الدول الأعضاء بوجوب العمل على حل منازعاتهم ـ التي يمكن أن يؤدي استمرارها إلى الأخلال بالسلم والأمن الدوليين ـ حلًا سلميا، حيث جاء بفقرتها الأولى ” يجب على أطراف أي نزاع من شأن أستمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجأوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها”

 وطبقًا لما نصت عليه بنود إتفاقية السلام لعام الموقعة بين الطرفين، والتي تنص في المادة السابعة على أن ” أ ـ تحل الخلافات بشأن تطبيق أو تفسير هذه المعاهدة عن طريق المفاوضة. ب ـ إذا لم يتيسر حل هذه الخلافات عن طريق المفاوضة، فتحل بالتوفيق أو تُحال إلى التحكيم الدولي”.

وقد مرت القضية بمراحل عديدة من المفاوضات التي استمرت قرابة الأربع سنوات إلى أن تم التوصل إلى تسويتها بالطرق السلمية القانونية، حيث دأبت إسرائيل منذ بداية النزاع إلى تجنب التسوية القانونية والاكتفاء بالتسوية السياسية عن طريق المفاوضات والتوفيق.  

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه ما سبب دأب إسرائيل حل النزاع بالتوفيق، ودأب مصر ـ منذ البداية ــ حل النزاع باللجوء إلى التحكيم الدولي؟

يمكن القول أن التسوية السلمية لحل النزاعات الدولية تنقسم إلى طريقين، طريق التسوية السياسية وتشمل (المفاوضات والمساعي الحميدة والتوفيق) وهي لا تغني ولا تسمن من جوع، فهي ليس إلا تقريب لوجهات النظر بين الأطراف المتنازعة وتضييق الفجوة بينهما عن طريق تنازلات ومساومات تؤدي في النهاية إلى حلول سياسية توفيقية غالبًا ما تتسم بأنها حلول وسط.

أما مصر كانت أكثر دهاءً وذكاءً فقد أصرت منذ البداية على التسوية القانونية باللجوء إلى التحكيم دون التوفيق، لأن قرار التحكيم قرار نهائي وملزم، ويقع على عاتق الدولة التي صدر ضدها القرار بتنفيذه بحسن نية وإلا تعرضت للمسئولية الدولية، وتشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين.

طابا والتحكيم الدولي ـ مسار القضية أمام التحكيم

في بداية 13 مايو 1985 صدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 641 بتشكيل اللجنة القومية لطابا برئاسة الدكتور عصمت عبدالمجيد وعضوية 24 خبيرًا، منهم 9 من خبراء القانون و2 من علماء الجغرافيا والتاريخ، و5 من كبار الدبلوماسيين بوزارة الخارجية، و8 من العسكريين وخبراء المساحة العسكرية.

وكان من البديهي أن تحشد الخارجية المصرية أشهر رجال القانون الدولي المصريين، الأستاذ الدكتور وحيد رأفت، الأستاذ الدكتور طلعت الغنيمي، الأستاذ الدكتور أحمد القشيري، الأستاذ الدكتور مفيد شهاب، الأستاذ الدكتور صلاح عامر، الأستاذ الدكتور سميح صادق، والاستاذ الدكتور أحمد القشيري، وروعي أيضًا ضم قاضيين من أبرز القضاه المصريين، الأستاذ أمين المهدي نائب رئيس مجلس الدولة، والأستاذ الدكتور فتحي نجيب رئيس محكمة النقض.

وفي التاريخ حشدت الخارجية المصرية الأستاذ الدكتور يونان لبيب رزق، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة عين شمس وعضو مجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، فقد نشر سيادته في عام 1967 دراسة في المجلة التاريخية، وهي أهم المجلات المصرية العلمية في ميدان الدراسات التاريخية، تحت عنوان ” أزمة العقبة المعروفة بحادثة طابا”، أيضًا أصدر يونان لبيب رزق كتابًا تحت عنوان “الأصول التاريخية لمسألة طابا” عام 1983 مع بدايات تفجر القضية، وقبيل التوصل إلى مشارطة التحكيم.

وفي الجغرافيا تم اختيار الدكتور يوسف أبو الحجاج، أستاذ الجغرافيا بكلية الأداب جامعة عين شمس، كما أن له مكانته في الجمعية الجغرافية المصرية حيث يشغل منصب الأمين العام لهذه الجمعية.

أخيرًا في مينا هاوس الساعة الثالثة صباح يوم 11 سبتمبر 1986 تمكن وفدي مصر وإسرائيل من التوصل إلى الصيغة النهائية لمشارطة التحكيم بشأن تسوية النزاع بين البلدين، ووقع على المشارطة السيد الدكتور/ نبيل العربي المشهود له بالكفاءة والحنكة السياسية، والسيد إبراهيم تامير عن الجانب الاسرائيلي، والسيد/ ريتشارد ميرفي ـ مساعد وزير الخارجية الأمريكي.

وتضمنت مشارطة التحكيم مجموعة من البنود والأحكام، أهمها تشكيل هيئة التحكيم من خمس محكمين، تمثلوا في كل من الأستاذ الدكتور/ حامد سلطان رئيس قسم القانون الدولي العام في أعرق كلية وأعرق جامعة كلية الحقوق جامعة القاهرة، وصاحب الخبرة الواسعة في قضايا التحكيم الدولي، أما إسرائيل فقد اختارت الدكتورة روث البيدوث أستاذة القانون الدولي بالجامعة العبرية، وكان رئيس هيئة التحكيم القاضي السويدي جونار لاجرجين الرئيس السابق لمحكمة النقض بستوكهولم، وعضو اليمين القاضي الفرنسي بيير بيلية رئيس محكمة النقض الفرنسية، ومن الشخصيات المتعارف عليها في مجال التحكيم الدولي، أما عن عضو اليسار كان السويسري ديتريش شندلر أستاذ القانون الدولي بجامعة زيورخ

واجتمعت هيئة التحكيم لأول مرة في جنيف في 8 ديسمبر 1986، ثم باشرت مهمتها رسميًا في 10 ديسمبر 1986، ووفقًا لبنود مشارطة التحكيم فإن الاختصاص المكاني للمحكمة يتمثل في تقرير مواضع علامات الحدود الأربعة عشر على خط الحدود الدولية بين مصر وفلسطين تحت الانتداب، أما الاختصاص الزماني للهيئة فيتمثل في المراحل الزمنية التي يتعين على الهيئة تحديد علامات الحدود بشأنها، وهي فترة الانتداب البريطاني لفلسطين في الفترة مابين عامي 1923 و 1948.

تمكن الفريق المصري من جمع الوثائق والخرائط التي تثبت تبعية طابا للسيادة المصرية، من الأرشيف المصري والبريطاني والتركي، كما تمكنوا من جمع 10 وثائق من الأرشيف الأسرائيلي ذاته، وتم جمعها من دور الوثائق في القاهرة ولندن والخرطوم وإسطنبول، ومحفوظات الأمم المتحدة في نيويورك.

وفي 29 سبتمبر 1988 صدر الحكم التاريخي في قضية طابا متضمنًا أحقية مصر في منطقة طابا، وتم النطق في جلسة علنية عُقدت بقاعة المجلس الكبير بالمقر الرسمي لحكومة مقاطعة جنيف بحضور ممثلي الدولتين وأعضاء هيئة الدفاع لكلا الطرفين، فضلًا عن عدد من المدعوين وممثلي الصحافة الدولية، وأجهزة الأعلام المحلية والعالمية.

وفي 19 مارس 1989 وقف الرئيس الراحل محمد حسني مبارك رافعًا العلم المصري على المدينة الصغيرة قائلًا عبارته المشهورة ” لقد ارتفع علم مصر على أرض طابا، ولن ينتكس أبدًا” وبذلك أسدل الستار على قضية طابا.

أخيرًا استرداد طابا لم يكن مجرد استرجاع قطعة أرض، بل كان استعادة للكرامة والعزة والصمود، ولا ننسى كل من ساهم في هذا الانجاز الوطني، من دبلوماسيين وقانونيين وقادة سياسيين، فلهم كل التحية والتقدير.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة